طه عبد الرحمن
74
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
اللّه في كل أفعاله . ومعلوم أيضا أن مدرك العقل المسدد من الأخلاق الدينية هو أنها جملة من العبادات والمعاملات يطالب المتخلّق بأدائها على شروطها بالقدر المستطاع ، باعتبار أن هذه الطاعات ترجع في أصلها إلى المحافظة على مصالحه المادية والمعنوية ؛ وواضح أن هذا التصور للأخلاق الدينية ، وإن فضل تصور العقل المجرد بخروجه عن وصف النظر الصرف ، فإنه لم يتعد مرتبة اعتبار المقصد من العمل ، إذ لا يراعي في المبدأين : " مبدأ الطاعة في العبادة " و " مبدأ الطاعة في المعاملة " إلا المقاصد منهما . أما في العقلانية المؤيدة ، فإن معنى " الطاعة في العبادة " يخرج إلى معنى " الاشتغال بالله " ومعنى " الطاعة في المعاملة " يخرج إلى معنى " التعامل في اللّه " ، وكلاهما معنى عملي له تعلق بالوسيلة ، وتوضيح ذلك كما يلي : * الاشتغال بالله : مقتضاه أن المتخلّق يدرك أنه مخلوق للاشتغال بالله وأن الاشتغال بغيره ينبغي أن يذكّره بالله دائما وأبدا ، فلا يعقل المتخلّق شيئا إلا ويجعله هذا الشيء يعقل أمر ربه فيه . * التعامل في اللّه : مقتضاه أن المتخلّق يأتي أعمالا لصالحه يبنيها على اعتقاداته ، مقرّا لغيره في ذات الوقت بحق الإتيان بمثل هذه الأعمال لصالحه وبحق توجيهها بما عنده من اعتقادات ، كما يرتب المتخلّق هذه الأعمال جميعها بحسب ما يقتضيه الصالح العام على أساس أن طلب هذا الصالح المشترك يفضي إلى مزيد الاشتغال بالله . ونشير بهذا الصدد إلى أن قول بعض الفقهاء المشهور : " ليس في الشريعة تكليف ينافي العقل أو لا يمكن تعقله " - الذي يقصد به تبرير دخول المتخلّق تحت حكم الشريعة - لا يستقيم إلا في حدود التعريف الذي وضعناه للعقل المؤيد ؛ فالعقل الذي لا يعارض الشرع ليس هو العقل الذي تربّى في كنف المناهج العقلانية المجردة ذات الأصل اليوناني الغربي وتشكّل بأشكال مادية بحتة ، صارفا كل أثر للمعاني الغيبية والقيم الأخلاقية ، ولا هو العقل المسدّد ، لأن هذا العقل لا ينجو من الاختلال على مستوى الوسائل ، وإن أصاب على مستوى المقاصد ، وإنما هو العقل المؤيّد مقيّدا بالشروط التي ذكرناها من قبل ، وهي : " اجتماع القول والفعل " و " اجتماع المعرفة العلمية والمعرفة الغيبية " و " سلامة الزيادة في العمل " .